حول النضال الفلسطيني بين مفهومي المقاومة والإرهاب

غازي الصوراني

في تناولنا لمفهومي المقاومة والإرهاب في هذه المرحلة من سيادة وطغيان وتوحش العولمة الأمريكية وربيبتها الدولة الصهيونية, لابد وان نتوقف أمام حالة الالتباس والغموض التي فرضت نفسها على هذين المفهومين, حيث نلاحظ كيف تتعمد الأوساط السياسية والثقافية الأمريكية والرأسمالية الغربية عموماً, و”إسرائيل” على وجه الخصوص, بأن تجعل من مقاومة الشعوب المستعمره والمضطهده إرهاباً, ومن إرهاب النظام الرأسمالي وحليفه الصهيوني عملاً مشروعاً, وبالتالي فإن هذا الالتباس أو الغموض ليس في حقيقته إلا محاولة لطمس الحقيقة الموضوعية التي تفصل بصورة لا لبس فيها بين المقاومة المشروعة من ناحية وبين الإرهاب الامبريالي الصهيوني من ناحية ثانية,وهي منهجيه مرتبطة باختلال التوازن بين حركات التحرر العالمية والبلدان الفقيرة من جهة ونظام العولمة الرأسمالي وحليفه الصهيوني من جهة ثانية .

لكن هذا الاختلال في موازين القوى – راهناً – بين الشمال والجنوب أو بين دول المركز الرأسمالي ودول الاطراف في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, لن يتمكن من دمج أو حتى تقاطع مفهومي المقاومة والإرهاب معاً, إلا بصورة تعسفية إكراهية كما هي الحال في موقف النظام الامبريالي وحليفه الحركة الصهيونية في بلادنا.

ذلك أن أي باحث موضوعي أو محايد, في تناوله لمفهومي المقاومة والإرهاب وتطبيقهما على الحالة الفلسطينية, سيجد نفسه – لا محالة – مضطراً للفصل بين المفهومين بحيث تتبدى بوضوح الممارسات العدوانية الهمجية الإسرائيلية كتجسيد لمفهوم الإرهاب الذي مورس على شعبنا الفلسطيني وأدى إلى اقتلاعه من أرض وطنه, واستمرار حرمانه من السلام العادل الذي يحقق أهدافه الوطنية في العودة وتقرير المصير والدولة وفق قرارات الشرعية الدولية, التي يناضل من أجل تنفيذها مستخدماً في ذلك كل أشكال النضال السياسي والمسلح التي لا يمكن تفسيرها إلا شكلاً من المقاومة المشروعة التي أقرتها المواثيق الدولية, وهي مقاومة ترتكز بصورة أساسية إلى إرادة هذا الشعب أكبر بما لا يقاس من ارتكازها إلى معدات القتال التي لا تملك منها شيئاً بالقياس إلى الآلة العسكرية الضخمة التي يمتلكها العدو الإسرائيلي بدعم لا محدود من الولايات المتحدة.

إن الفلسطيني وهو يقاوم يسعى إلى الحرية والانعتاق لكي يشعر بالاطمئنان ولكي تنتهي إلى الأبد صفة الضحية التي لازمته حتى اللحظة بسبب المغتصب والقاتل الصهيوني الذي يحاول القضاء على كل آماله في الحرية والحياة… فمن هو إذن الإرهابي؟ الذي يناضل من أجل حريته واستقلاله وحياته الكريمة الآمنة ؟ أم ذلك العدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين بدواعي مصالح الرأسمالية العالمية دون أي مسوغ أو حق تاريخي فيها على الاطلاق ، ويمعن في تكريس هذا الاغتصاب برفضه القبول بقرارات الشرعية الدولية رغم أن الضحية قد أكرهت على قبول تلك القرارات في ظل متغيرات واوضاع دولية وعربية عززت النزعة التوسعية الصهيونية ، وادت إلى هذا الاختلال العميق في ميزان القوى لصالح العدو الإسرائيلي ، الذي استمر في ضم الأراضي الفلسطينية وتجزئتها وتحويلها إلى كانتونات تحاصر الشعب الفلسطيني من كل جانب رافضا قرارات الجمعية العامة ومجلس الامن وقرار محكمة لاهاي الاخير بخصوص الجدار التوسعي ، من اجل تحقيق هدفه في اذلال شعبنا وفرض الاستسلام عليه عبر صور من الإرهاب الصهيوني – أكثر انحطاطاً من كل أشكال الإرهاب النازي والعنصري في التاريخ الحديث, الأمر الذي فرض على شعبنا أن يتصدى لهذا الإرهاب الصهيوني بكل أشكال المقاومة كحق وواجب وطني أقرته مواثيق الشرعية الدولية, ما يجعل من المقاومة الفلسطينية من أجل الحرية والعودة هي النقيض الحقيقي للإرهاب الصهيوني.

اننا ندرك بالطبع طبيعة هذه المرحلة من تاريخ العلاقات الدولية ، في ظل هيمنة العولمة الامريكية منذ نهاية العقد السابع من القرن الماضي ، وما ادت إليه من تغيير في السياسات وانقلاب في المواقف والمفاهيم ، بحيث باتت المقاومة من اجل الحرية والعدالة في كل بقاع الارض ارهابا ، في حين أن التوسع العدواني الإسرائيلي في فلسطين والسيطرة الامريكية على مقدرات شعوب العالم عملا مشروعا ، لكن هذه المرحلة من احادية العولمة لن تعمر طويلا ، إن لم تكن اليوم قد بدأت في التراجع ، وفي كل الاحوال لنا في التاريخ امثلة زاخرة بالاحداث والعبر ، ولعل أهم دروس التاريخ الإنساني ، تدلنا , بالمنطق التحليلي الموضوعي, على ان الصراع التاريخي بين الإمبراطوريات والدول, في المراحل القديمة أو الحديثة أو المعاصرة, كان صراعاً – ومازال – محكوماً لإرادة القوة المعبرة عن المصالح الاقتصادية ونزعات التوسع لهذه الفئة أو الطبقة الحاكمة المهيمنة أو تلك, مع اختلاف المنهجية أو الأسلوب في إدارة الصراع بين هذه الدول باختلاف المراحل أو المنطلقات, فقد استطاعت الإمبراطورية الرومانية ان تتوسع على حساب الشعوب المستضعفة أو شبه البدائية آنذاك, بذريعة قدرتها على التوسع والتحكم في مصائر الأمم الأخرى بعد ان “وهبها” الله تلك القدرة كما قال فيلسوف النظام الروماني “شيشرون” . تلك كانت مرحلة “السلام” الروماني , التي جاء بعدها دولاً وإمبراطوريات قامت وتوسعت بدوافع المصالح ، وان اتخذ الدين , عنواناً ظاهرياً أو ذريعة لذلك التوسع , الذي ارتبط في كل الأحوال بعوامل ومقومات القوة الإكراهية قبل ان يرتبط بأي منطق ديني أو سياسي, يشهد على ذلك قيام الإمبراطورية العثمانية والبريطانية وغيرهما, ومع نهاية الحرب العالمية الأولى شهدنا اندثار الدولة العثمانية وبداية تفكك الإمبراطورية البريطانية , التي انتهى دورها الإمبراطوري مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 , وتم إلحاقها في إطار النظام الرأسمالي الذي تولت قيادته الولايات المتحدة الأمريكية منذ ذلك التاريخ ، حيث بدأت في إدارة الصراع ضد النظام الاشتراكي أو الاتحاد السوفيتي الذي عزز آمال البشرية عموماً, والشعوب المضطهده خصوصاً, في الحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم, وهي آمال تراجعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, الذي مهد بدوره للدور “الإمبراطوري” الإمبريالي الأمريكي كقطب أحادي متفرد في الهيمنة باسم الليبرالية الجديدة أو “الديمقراطية” أو “السلام” الأمريكي الذي يشترط على شعوب ودول العالم عموماً, والشعوب الفقيرة خصوصاً, نوعاً من التطابق أو التوافق مع السياسات والمصالح الأمريكية, ” وكل من يعترض أو يضمر العداء للولايات المتحدة, ولسلامها الكوني ، فإن الحرب ضد أولئك العصاه تصبح, مهمة مقدسة تستهدف خير البشرية والمجتمع الدولي, من أجل عالم “لائق” و”حر” و”ديمقراطي”, هذه هي اللغة التي استمعنا إليها كلما تعين ان تذهب أمريكا إلى الحرب[1].

وفي هذا السياق, تقول الكاتبة والروائية الأمريكية “سوزان سونتاج” ” ان الحروب الحقيقية لها بداية ونهاية, غير ان هذه الحرب المناهضة للإرهاب لا يمكن ان تنتهي, وهذه علامة أولى على أنها ليست حرباً, بل هي بالأحرى تفويض للتوسع في استخدام القوة الأمريكية”[2].

وإذا عدنا إلى التاريخ مجدداً , فإننا لن نجد في تاريخ الولايات المتحدة إشارة واحدة إلى إيمانها بالسلام, لقد قامت على الاغتصاب والعنف, وهو العامل المشترك مع “إسرائيل” , لقد حصدت واقتلعت الهنود وأرواحهم دون رحمة, وخاضت حرباً أهلية طاحنة, واستعبدت وأذلت السود الأفارقة أو “العبيد”, وحاربت ( من أجل السيطرة) في كوبا والفلبين وهاواي والصين واليابان وكوريا وفيتنام وأوروبا وأميركا اللاتينية (ومؤخراً في أفغانستان العراق) ، واستخدمت كل أنواع أسلحة الدمار, وفي ذلك كله كان الأمريكيون أصحاب رسالة , يقتلون ليحيوا , ويدمرون ليعمرّوا ، لدرجة أن هذا الوله بالعنف ، والتنافس على تطويره ، والمباهاة بممارسته بات من أبرز وجوه الثقافة الشعبية الأمريكية , فمعظم ساحات أمريكا مزينة بتماثيل السفاحين, وورقة العشرين دولار مزينة بصورة الرئيس ” أندرو جاكسون” الذي كان يستعذب مشاهدة سلخ رؤوس الهنود, والصحف اليومية تعج بأخبار الجرائم, ومعظم برامج التلفزيون والسينما تتبارى في تمجيد العنف, وكل حركات السلام في أمريكا متهمة بالخيانة[3].

ان هذه الروح المسكونة بالعنف والإرهاب , يديرها العديد من المؤسسات العسكرية والمدنية الأمريكية, من أهمها “البنتاجون” الذي يصفه لنا “تريسترام كوفين Tristram Coffin” بقوله: ” يقبع رجال ونساء أمام شاشات كومبيوترات جاهزة لإرسال الموت إلى أي مكان من العالم, إن دين هذه المؤسسة وصوفيتها العسكرية هي مزيج من مسيحية الصليبيين ومن عبادة إلهة النصر ” نايك Nike”[4].

أما بالنسبة لقيام دولة العدو الإسرائيلي في بلادنا, فإننا لا نجد على الإطلاق فرقاً في جوهر قيام ونشوء الدولة الأمريكية, وهو جوهر قام على العنف والإرهاب واغتصاب الارض وتشريد السكان تحقيقاً لنفس المصالح, ذلك ان ” فكرة إسرائيل” كما عرضتها الكلاسيكيات العبرانية ورسمها مؤدلجوها في القرنين الماضيين, تتضمن ثلاث مهمات أساسية لا تتحقق إلا بالعنف والارهاب[5]:

1- احتلال بلاد الآخرين.

2- استبدال سكانها بسكان غرباء, واستعباد من يعصي منهم.

3- استبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم.

وإذا كان الغاصب الإسرائيلي, الذي أقام دولته بدواعي القوة والإرهاب, قد وصل اليوم إلى مأزق وجودي لم يترك له سوى طريق الحرب والمواجهة مع شعبنا وأمتنا, فان امريكا بالمقابل كما يشخص الكاتب البريطاني ” جون لوكاريه”, قد دخلت اليوم, في واحدة من اطوار جنونها التاريخي, ولكن هذا الطور هو الأسوأ, أسوأ من المكارثية, وأسوأ من ” خليج الخنازير” وحرب فيتنام, وأما بغداد, فإنها لم تكن تمثل خطراً واضحاً وراهناً على جيرانها, ولا تمثل أي خطر على الولايات المتحدة أو بريطانيا, وأما أسلحة الدمار الشامل, فهي أضحوكة بالمقارنة مع الترسانة التي في وسع “إسرائيل” وأمريكا ان تقذفه بها, وبالتالي فان ما هو على المحك ليس الخطر الإرهابي أو العسكري بل مقتضيات النمو الاقتصادي الأمريكي[6].

نخلص من كل ما سبق, إلى ان الرأسمالية عموماً والأوروبية والأمريكية خصوصاً ارتبطت منذ أصولها الأولى, برسالة الغزو القائم على العنف والإرهاب, وما قيام دولة العدو الإسرائيلي إلا في جوهره, تطبيقاً لهذه الرسالة الرأسمالية رغم كل الذرائع التوراتية أو الدينية اليهودية التي لا تملك سنداً شرعياً أو تاريخياً تستند إليه, وبالتالي فان قوة الوجود الإسرائيلي في هذه المرحلة من الصراع, ليس سوى أحد مظاهر القوة والتوسع الامبريالي الرأسمالي التي قامت ومازالت على مبدأ اللامساواه واللا تكافؤ علاوة على الغزو والعنف وقهر الشعوب, عبر ممارستها لكل أشكال الإرهاب ضد الشعوب الفقيرة في بلدان الاطراف عموماً وفي بلدان وطننا العربي خصوصاً, ولكن هيمنة الولايات المتحدة وسيطرتها الأحادية على هذا الكوكب في هذه المرحلة , ساعدها في فرض رؤيتها التي تقول ان كل من هو ضد السياسة الأمريكية يعتبر إرهابيا أو داعما للإرهاب .

على أي حال إن مقياس الحكم على المقاومة من حيث شرعيتها أو عدمه يعتمد على هدف المقاومة وبواعثها ، إذ انه من المنطق أن يكون الحكم على ما يسمى بالإرهاب السياسي مرتبطا بالهدف من ممارسته وبصورة عامة, علينا أن نأخذ بعين الاعتبار, أو بالضرورات الإكراهية لنظام العولمة الراهن, ان هناك موقفان من “الإرهاب الدولي” :

الأول : الموقف الرافض للإرهاب بغض النظر عن الدوافع :

أنصار هذا التيار يؤيدون –من موقع المصالح المشتركة- موقف الولايات المتحدة و”إسرائيل” والنظام الرأسمالي الغربي عموماً, وهو تيار معارض كليا لحق الشعوب في المقاومة من أجل تحقيق أهدافها المشروعة والعادلة, بل ويطلق على هذه المقاومة صفة الإرهاب السياسي أو الديني , ويكرس هذا التيار كل وسائله الإعلامية والعسكرية والاقتصادية لمحاربة هذه الظاهرة والتنديد بمن يقف ورائها دون البحث في أهدافها والدوافع الكامنة وراء ممارسة هذا الضرب من العنف السياسي.

الثاني : التيار الذي يدعو إلى البحث عن الدوافع قبل الإدانة (شرعية الغاية تشرعن الوسيلة) :

من دعاة هذا الموقف مجموعة من دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية، ويتلخص موقفها في أن معالجة (الإرهاب الدولي) لا تتم بمجرد إدانته أو تجريم مرتكبيه، لأن هذا لا يشكل إلا نصف القضية ولن يحل المشكلة، إن محاربة الإرهاب الدولي تكمن في البحث في جذور الظاهرة، بواعثها ، وأهداف القائمين بها ، فالغاية قد تبرر الوسيلة أحيانا.

واذا عدنا إلى الوراء قليلا سنلاحظ موقف الامم المتحدة من هذه القضية إبان مرحلة الحرب الباردة ثم المتغيرات التي حكمت موقفها إبان مرحلة العولمة الامريكية ، ففي عام 1973 أخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة بوجهة نظر التيار الثاني في تحديد موقفها من “الإرهاب الدولي” فجاء في توصيات الجمعية العامة حول الموضوع “على الرغم من الحاجة إلى مكافحة الإرهاب الدولي وغيره من وسائل العنف التي تهدد أرواح الأبرياء أو تحرم الأفراد من حرياتهم الأساسية إلا أن الأمر يتطلب دراسة الأسباب التي تكمن وراء ممارسة الإرهاب ، والتي تجد جذورها في الإحساس باليأس والإحباط والظلم، والذي يدفع بعض الناس إلى التضحية بالأرواح الإنسانية، بما في ذلك أرواحهم هم أنفسهم وذلك من أجل إحداث تغييرات راديكالية في معالم هذه الصورة القاتمة”.

أعطت الجمعية العامة الحق للشعوب باللجوء إلى كل أشكال النضال بما فيها الكفاح المسلح من اجل نيل استقلالها وهذا ما جاء واضحا في البرنامج الصادر عن الجمعية بتاريخ 12/10/1970 والمعنون بـ”برنامج العمل من أجل التنفيذ التام لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”، حيث اعتبر البرنامج أن الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر خرقا لميثاق الأمم المتحدة ولكل المواثيق الدولية.

إلا أنه كان لقرار الجمعية العامة الصادر عام 1977، أهمية خاصة حول الموضوع ، فهو من جانب اتخذ بأغلبية ساحقة في الأصوات كما أنه خطا خطوة مهمة بربطه مباشرة بين حق تقرير المصير و شرعية اللجوء للكفاح المسلح ، و ندد بالدول التي تنكر على الشعوب حقها في النضال لنيل الاستقلال.

أما بالنسبة للموقف من نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته للمحتل الإسرائيلي ، فقد أصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارها التاريخي في نوفمبر 1974 ، الذي أكد على الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، حيث أعربت فيه الجمعية العامة عن قلقها لما يمثله عدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية من مخاطر على الأمن والسلام الدوليين كما نص القرار على أن الجمعية العامة:

1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف.

2- وتؤكد من جديد أيضا حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف ، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.

3- وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها .

وهكذا أعطت الأمم المتحدة لشعب فلسطين الحق باستعمال كافة الوسائل بما فيها الكفاح المسلح من أجل إحقاق حقوقه المشروعة .

وجاء ما يسمى مسلسل السلام، متزامنا مع تحولات النظام الدولي، ليلقي بظلاله على نهج النضال المسلح ويثير الشكوك حوله ، حيث لعبت ديناميكية الانفراج السياسي في منطقة الشرق الأوسط المصاحبة لما سمي بمسلسل السلام الذي دشنه مؤتمر مدريد، ثم توقيع اتفاقات أوسلو بين م.ت.ف و”إسرائيل” عام 1994، الأثر الكبير في إحياء الجهود لما سمي بمحاربة ظاهرة الإرهاب.

وهكذا تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والأربعين سنة 1994 ، قرارا بموجبه ستتخذ مجموعة من الإجراءات التي تستهدف القضاء على الإرهاب الدولي، وقد تميز هذا القرار عن سابقيه من قرارات الجمعية العامة بأنه اقترب من الموقف الأمريكي والغربي الذي يدين الإرهاب بالمطلق دون تعريف دقيق له أو البحث عن دوافعه، وهكذا نص القرار على إدانة كل الأعمال والممارسات الإرهابية أينما كانت وكيفما كان الفاعلون ، ثم كانت ذروة الاهتمام بالإرهاب وصيرورته محل اهتمام جميع دول العالم بدون استثناء على اثر تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11/سبتمبر/2001 وفي اليوم التالي للتفجيرات ، انعقد مجلس الأمن لمناقشة الموضوع، وبإجماع جميع دول المجلس وتأييد جميع دول العالم تقريبا، تبنى المجلس قرارين صارمين أدان فيهما الإرهاب بكل أنواعه وصوره، ليس هذا فحسب، بل طالب جميع دول العالم بالتحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب، ويوم 28 من نفس الشهر صدر قرار جديد عن مجلس الأمن يسير في نفس الاتجاه, ولكن المستجد في الموضوع والخطير أيضا، أن المجلس ترك للولايات المتحدة حرية تحديد الجهات الإرهابية وطريقة الرد عليها بالشكل الذي تراه مناسبا, ومنذ تلك اللحظة أصبح العالم منقسما على نفسه حول تعريف الإرهاب حتى يصح القول إن تعريف الإرهاب أصعب من محاربته, وإذا كنا نتفق على أن ممارسة العنف ضد الشعوب المستضعفة من أجل اضطهادها والاستيلاء على مقدراتها وأراضيها واحتلالها وطرد سكانها هو التعريف الحقيقي للإرهاب, فإننا بالمقابل لا نرى في النضال التحرري, السياسي والعسكري, الذي تمارسه الحركات السياسية عملاً من أعمال الإرهاب .

وفي هذا السياق ، يجب توضيح أمور لا غنى عن توضيحها ، حيث إن السلام لم يتحقق بعد – فالكيان الصهيوني ما زال يحتل كل فلسطين والجولان ، والفلسطينيون لا يمارسون السيادة ولو على شبر واحد من أرض فلسطين- وما دام الأمر كذلك، فالحق بالنضال ضد الاحتلال لم يسقط، ولا يمكن لهذا الحق أن يسقط –سواء كان ممنوحا من الشرعية الدولية أو بدونها- إلا بعد تحقيق الاستقلال بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

إذ انه في كل الأحوال، يجب التمييز بين واقع الاحتلال وخطاب السلام ، فالواقع هو الاحتلال الإسرائيلي الذي ينشر الموت والدمار يوميا في بلادنا، أما السلام فهو حتى اللحظة خطاب يبحث لنفسه عن واقع يتكيف مع مقولاته، وهذا الخطاب غامض مبهم غير واضح المعالم، وخصوصا إذا كان الناطق به هو العدو الصهيوني، فكيف نتحدث عن واقع السلام والجيش الإسرائيلي يحاصر شعبنا ويعزل مدننا وقرانا ويغتال مناضلينا.

المطلوب اليوم، فلسطينيا وعربيا، بلورة إستراتيجية واضحة وصارمة بالنسبة للقضية الفلسطينية، يحدد فيها الموقف الفلسطيني والعربي مما يجري على اساس أن الصراع هو صراع عربي صهيوني بالدرجة الاولى، ونقل هذا الموقف للعالم، مصحوبا بحملة إعلامية توضح أن التزام العرب بالسلام العادل لا يلغي شرعية الكفاح الفلسطيني ضد “إسرائيل”، طالما ظلت مصرة على رفضها الانسحاب الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة.

وبالتالي فإن تأجج الصراع واستمرار المقاومة بكل أشكالها ضد العدو الصهيوني هو المسار الرئيسي لشعبنا الفلسطيني في نضاله من أجل انتزاع حريته وطرد المحتل الغاصب من بلادنا , وهو ليس أمرا غريبا أو طارئا من جهة ولا يمكن أن يوصف بأنه شكل من الإرهاب إلا من قبل العدو الصهيوني الأمريكي الذي استطاع في هذه المرحلة تزوير حقائق التاريخ ارتباطا بضغوط المصالح الرأسمالية وقوتها الغاشمة ، ذلك ان مجرى النضال والمقاومة الفلسطينية يحمل في طياته العديد من الدوافع التاريخية والقانونية :

أولا: إن الاتفاقات غير المبنية على الحقوق الوطنية ، بصورة مباشرة وواضحة ، لا تصمد طويلا ، بل إنها تتحول ، طال الوقت أم قصر ، إلى بذرة حرب بين أطرافها ، طالما أنها تستند إلى الإكراه وإرادة القوة دون أي اعتبار لحقوق تاريخية أو شرعية ، وفي مثل هذه الأحوال يكون الحديث عن آفاق السلام العادل والمتوازن حديث أوهام بلا نتيجة أو جدوى ، تكشفه وتصده حقائق الواقع والتاريخ المرتبطة بأرضنا وشعبنا وقضيتنا وعروبتنا ماضيا وحاضرا ومستقبلا .

ثانيا: لقد بات من الواضح أن العدو الصهيوني ، في ظل نظام العولمة الراهن ، وبمساندة مباشرة من الإمبريالية الأمريكية ، يسعى إلى الحصول على شرعية الوضع القائم أو شرعية المحتل الغاصب، بديلا لكل شرعية، سواء تلك المستندة إلى الحقوق الوطنية التاريخية أو تلك المستندة إلى الشرعية الدولية ومقرراتها .

ثالثا: إن تواصل الانتفاضة التي انطلقت في 28/أيلول/2000 ، واستمرار هذا الصمود والنضال المتواصل لشعبنا لا يلغي حقيقة هذا الترابط العضوي العميق والمتجدد في أوساط شعبنا – وبصورة عفوية- حول شعار وحدة الأرض والشعب والقضية ، بمثل ما يؤكد أيضاً –وبنفس الدرجة من القوة والترابط- مصداقية القوى والفصائل الطليعية المناضلة من اجل التحرر الوطني والديمقراطي ، وموقفها الواضح، والثابت الرافض لإعلان المبادئ في أوسلو وما تلاه من اتفاقات في طابا وشرم الشيخ وواي بلانتيشن وتفاهمات تينت إلى خارطة التيه والضياع وصولا إلى ما يسمى بـ “خطة شارون” التي تستهدف مزيدا من التوسع والاستيطان في الضفة الفلسطينية ، وتقزيم مشروع الدولة المستقلة في إطار المشهد الغزاوي وجزء من شمال الضفة تمهيدا لالغاء كافة قرارات الشرعية الدولية وفرض وتعميق معطيات الهزيمة ورموزها الطبقية الجديدة ليس في فلسطين فحسب وانما في كل أرجاء الوطن العربي .

لذلك كله، فإن التزام القوى الوطنية الفلسطينية بالتواصل في مقاومة العدو الصهيوني، يجسد مبدءا اساسيا ومتوازيا مع النضال الديمقراطي الداخلي ، وذلك انطلاقا من أن النضال التحرري بكل اشكاله السياسية والمسلحة هو وسيلة ضرورية ومشروعة لشعب يناضل من اجل استرداد حقه في وطنه المغتصب ، في حين أن الوجود الصهيوني في بلادنا يجسد وسيلة الارهاب الصهيوني الرأسمالي وأداته في وطننا العربي كله، فليس هناك من شعب في التاريخ القديم أو المعاصر وافق باختياره على التوقيع على وثيقة استسلامه باسم ” السلام ” أو “ التعايش المشترك ” مع عدو غاصب . إن الاستعمار الاستيطاني ، والاغتصاب والهيمنة على بلد من البلدان قد يحقق للغاصب أو المحتل شكلا من أشكال السيادة السياسية على ذلك البلد ، لكنه لا يستطيع امتلاك السيادة القانونية وذلك بسبب افتقاره للحقوق التاريخية التي تعتبر الشرط الوحيد للسيادة القانونية التي لايمكن إن تتحقق أو تكتسب عبر الاحتلال أو الاستعمار والاستيطان بوسائل القوة والإكراه من جهه ، وهي حقوق لايمكن زوالها أو سقوطها بالتقادم مهما امتدت في الزمان حياة المحتل أو الغاصب من جهه أخرى.

اننا ندرك أن كل من يسعى إلى التمييز بين المقاومة والارهاب في إطار الصراع العربي-الصهيوني ، لن يبذل كثيرا من الجهد في اكتشاف معالم الصراع من حيث حقيقة الدوافع الفلسطينية في المقاومة ، مقابل حقيقة الدوافع الصهيونية في اغتصاب الارض بحيث يصبح الارهاب عنوانا واداة رئيسة لتلك الدوافع دون أي مسوغ قانوني أو شرعي أو تاريخي ، في مقابل أن المقاومة الفلسطينية تملك علاوة على حقوقها التاريخية في السيادة الكاملة على ارض فلسطين ، حقوقا مشروعة في النضال لتحقيق اهدافها التي اكدت عليها المواثيق الدولية :

1- القانون الدولي والاعلانان العالميان لحقوق الانسان : وتقوم هذه المواثيق على “قاعدة الحق في استقرار الإنسان في إطار حياته وحقه في البقاء في بلده ومغادرته والعودة إليه ، وان حق العودة الى الوطن يعتبر حقا طبيعيا لصيقا ومطلقا لا يمكن تجاوزه أو وقفه أو انتهاكه أو نكرانه ،حتى في حالات الطوارئ والاحتلال”.

وبالنسبة لشعبنا فانه يرى –وبصورة موضوعية- أن هذه الانتهاكات تشكل مبررا قويا لمقاومته ، علاوة على المبرر الرئيسي للمقاومة الذي يقوم على أن الوجود الإسرائيلي هو بالاساس شكل من اشكال الاغتصاب والاستعمار والقهر .

2- ان رفض العدو الصهيوني تطبيق قرار 194 هو شكل من اشكال الارهاب ، يجعل من مقاومة شعبنا حقا وواجبا فالقرار 194 بتاريخ 11/12/1949 يعتبر من اهم القرارات الخاصة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين ،بل انه يمثل حجر الزاوية بالنسبة للحقوق الفلسطينية بارتباطها بقرارات الأمم المتحدة ، وقد أكد على وجوب السماح بالعودة في اقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى ديارهم .

3- قرار الجمعية العمومية رقم 2787 بتاريخ 6/12/1971 الذي يؤكد على شرعية نضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي بما في ذلك شعب فلسطين .

4- القرار التاريخي للأمم المتحدة رقم 3236 بتاريخ 22/11/1974 الذي يؤكد على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ومن ضمنها :-

أ- حق تقرير المصير دون تدخل خارجي .

ب- حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة الوطنية .

ج- حق الفلسطينيين الثابت في العودة الى ديارهم ، وتدعو الجمعية العامة الى اعادتهم اليها .

د- تعترف الجمعية العامة بان الشعب الفلسطيني هو طرف أساسي في تحقيق سلام عادل وثابت في الشرق الأوسط .

هـ- تعترف بحق الشعب الفلسطيني في إعادة حقوقه بجميع الوسائل طبقا لاهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة

و- تدعوا جميع الدول في العالم الى زيادة مساعدتها للشعب الفسطيني في كفاحه من اجل استرداد حقوقه المشروعة .

ز- قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ، وضم ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية الى عضويتها على اعتبار انها عضو مراقب ،وكذلك تقر الجمعية العامة بحق م.ت.ف الاشتراك في جميع مؤسسات الأمم المتحدة ومؤتمراتها الدولية ….. وقد صدر هذا القرار بأغلبية (90) ضد (17) وامتناع (19) دولة عن التصويت .

5- القرار رقم 3376 بتاريخ 10/11/1975 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ،بإنشاء اللجنة الدولية المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف .

في ضوء كل ما تقدم ، وفي مواجهة حالة التراجع العربي والدولي، فإننا ندعو إلى العمل من أجل تفعيل دور مؤسسات م.ت.ف ، التشريعية والتنفيذية ، عبر المشاركة الديمقراطية الحقيقية الجادة لكافة الفصائل والقوى الوطنية والاسلامية ، لكي تستعيد المنظمة دورها الوطني كرمز وهوية لشعبنا كله بما في ذلك أهلنا في الشتات ، وذلك على قاعدة ان تظل م.ت.ف المرجعية الوطنية والممثل الشرعي الوحيد لشعبنا ، المعبر عن قضاياه الوطنية وتحقيق اهدافه في العودة وحق تقرير المصير والدولة المستقلة ، عبر النضال والمقاومة بكل اشكالهما السياسية والكفاحية، مدركين أن تفعيل المقاومة الفلسطينية أمر ممكن ارتباطا بالعديد من العوامل والمتغيرات المحلية والعربية والدولية :

أولا : عمق الوعي العربي عموما والفلسطيني خصوصا ، بحقوقنا التاريخية الثابتة في فلسطين يمثل جذر التناقض مع العدو الصهيوني ، وهو القاعدة الاساسية في ادارة الصراع ، ومصدر اساسي لتحفيز روح المقاومة بكل اشكالها ، ضد هذه الهجمة العدوانية غير المسبوقه من العدو الصهيوني التي لا تهدد المشروع الوطني الفلسطيني بل تهدد بالفعل الوجود الفلسطيني نفسه (الشعب والأرض معا) .

وهذا الترابط الوثيق بين الحق التاريخي المسلوب والوعي المتمسك بذلك الحق هو الإطار الموضوعي في عملية الصراع مع العدو الصهيوني ونظام العولمة الرأسمالي برمته ، وليس كما يشير هنتنجتون –أو من تأثروا به من بعض المثقفين العرب- إلى أن الصراع بين الغرب والشرق هو صراع حتمي لأنه يستند إلى البعد الديني أو الثقافة الدينية ، ذلك أن هذا الموقف هو تبرير للهيمنة علينا وتبرير لإزاحة الشرق ، والامة العربية خصوصا عن أي دور أو تأثير .

ثانيا : النهاية المأساوية لحقبة الحرب الباردة ، وانهيار المنظومة الاشتراكية ، وصعود نظام العولمة الرأسمالي ، وما أنتجه من انقسامات وتوترات واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء وتراجع مفاهيم العدالة والحقوق المشروعة والشرعية لشعوب العالم الثالث عموما والشعوب العربية وشعبنا الفلسطيني بصورة خاصة بما يدعو إلى توليد كل عوامل الإحباط التي تولد بدورها ردود الفعل في المقاومة بكل أشكالها .

ثالثا : اتساع حجم المعاناة والتضحيات في الاوساط الشعبية الفقيرة (الاغلبية الساحقة من شعبنا) في موازاة استطالة الهزيمة وامتدادها –عبر الاحتلال- في الزمان والمكان رغم اتفاقات اوسلو وما تلاها وصولا إلى “خارطة الطريق” و “خطة شارون” وإخلاء غزة دون أن يغادرها العدو بالمعنى السياسي والأمني والقانوني حيث بقي الحال في قطاع غزة كما كان قبل الإخلاء، فهذه الاتفاقات لم تغير سوى معايير الاحتلال في حين بقي جوهر الاحتلال كما هو على ارض الواقع.

رابعا : المأزق السياسي الذي وصلت إليه القضية الوطنية الفلسطينية واثره على طموحات وآمال شعبنا وهو مأزق لا يمكن عزله عن المأزق الداخلي للمجتمع الفلسطيني الذي تراكم بصورة متسارعة بفعل تفرد ادوات الفساد والخلل والانحراف في العلاقات والقيم في إطار حراك اجتماعي شاذ عبر امتيازات وثروات غير مشروعة تأسست على قاعدة المحاسيب واهل الثقة دون أي اعتبار للقانون والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ، وفي هذا السياق كان فوز حركة حماس في الانتخابات التي جرت في 25/1/2006 انسجاما مع تطلعات وآمال شعبنا من اجل الخلاص من رموز الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جهة ، والتأكيد على برنامج المقاومة والحرية والاستقلال من جهة ثانية ، دون أن يكون العامل الديني دافعا لذلك الفوز .

وفي موازاة مأزقنا السياسي واوضاعنا الداخلية الفلسطينية ، برزت أيضا عوامل المأزق الوجودي لدولة العدو ولكن هذا المأزق لم يترك لها سوى طريق المواجهة العسكرية ، بعد أن تحول المجتمع الإسرائيلي لصالح برنامج اليمين الإسرائيلي، وقد عبر عن ذلك التحول عالم السوسيولوجي “باروخ كيمرلنج” بقوله “إن ما كنا نخشاه أصبح اليوم حقيقة فاليهود والفلسطينيون ارتدوا للقبليات المعقدة ، والحرب واقعة لا محالة كقدر لا يمكن اجتنابه” ووصف هذه الحرب بأنها ستكون “حربا كولونيالية شريرة” .

وفي هذا المناخ الذي ترافق مع اتساع الهجمة العدوانية ووضوح اهدافها في ضرب واقتلاع عنوان المقاومة الوطنية من جذوره عبر تصفية واغتيال واعتقال رموزها ، في موازاة الاستيطان والتوسع وضم الاراضي الفلسطينية ومحاولة خلق روح اليأس والاحباط في صفوف شعبنا.

ففي هذا المناخ تحول الصراع مع هذا العدو إلى شكل الصراع الوجودي رغم ادراكنا جميعا بأن جوهر هذا الصراع –في هذه المرحلة- يقوم على أن نضال الاغلبية الساحقة من شعبنا يستند إلى هدف اقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على الاراضي المحتلة 67 وفق قرارات الشرعية الدولية ، كحل مرحلي ، في مقابل اصرار العدو الصهيوني ، بدعم امريكي غير محدود ، على حرمان شعبنا من تحقيق هذا الهدف ، وهنا نصبح مجددا امام استحالة الجمع بين المقاومة والارهاب أو بين الضحية والمغتصب .

ولذلك لم يكن مفاجئا تفاعل الصراع الدموي مع العدو ارتباطا بالازمة المستفحلة في الاوضاع الداخلية بكل ابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والافق السياسي المسدود ، او ارتباطا بحالة الارتهان والتبعية والخضوع العربي الرسمي لشروط العولمة الامريكية من ناحية ، وصمته على همجية العدو الصهيوني وعدوانه اليومي ضد شعبنا ومقدراته من ناحية ثانية.

على أي حال، إن استمرار هذا الصلف الإسرائيلي سيعزز روح المقاومة التي ستتواصل رداً على كل عمليات القتل والتصفية والاذلال ومصادرة الارض والتوسع التي يمارسها العدو الإسرائيلي، بصورة كريهه وبشعة لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا لها ، فما جرى في جنين وطولكرم وبيت لحم ونابلس وغزة ورفح وبيت حانون وكل قرانا ومخيماتنا من قتل متعمد للمدنيين وآلاف الشهداء والجرحى في الضفة والقطاع، يعطي ويبرر ويدفع نحو ممارسة رد الفعل بأعلى وتائره عبر المقاومة التي استطاعت الاستحواذ على مساحة كبيرة من التأييد في اوساط الجماهير الشعبية الفقيرة التي تتطلع إلى تحقيق أهدافها في العودة وتقرير المصير وإقامة دولتها المستقلة، كشرط للسلام المنشود وفق قرارات الشرعية الدولية, ذلك هو الهدف الذي تسعى إليه المقاومة الفلسطينية في صراعها ضد العدو الإسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بتلك القرارات ولا يتورع من نعت المقاومة الفلسطينية بـ”الإرهاب”, مستنداً في ذلك بدعم أمريكي مباشر وصريح أدى “بإسرائيل” إلى ان تندفع نحو هذه الحرب دون أن تبلور هدفاً سياسياً محدداً سوى “الإرهاب” والتوسع والاستمرار في مواصلة العدوان العنصري ضد شعبنا رغم رحيل الرئيس عرفات, ورغم “الانتخابات الديمقراطية” التي جرت بموافقة الولايات المتحدة الامريكية وأوصلت حركة حماس إلى قيادة السلطة الفلسطينية.

الآن.. يبدو أن “المجتمع” الإسرائيلي يخشى السلام أكثر مما يخشى الحرب، ويعتقد أن المواجهة هي البديل الأفضل في ظل الموقف الأمريكي المساند “لإسرائيل” ، وهو موقف يدير الأزمة دون أن يبحث عن حل حقيقي لها رغم الأفكار البائسة التي قدمها الرئيس الأمريكي بوش حول “الدولة القابلة للحياة” دون أي التزام بقرارات الشرعية الدولية والمؤتمر الدولي كمخرج مطلوب في هذه المرحلة لبلورة الحل العادل للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة على كامل أرضه المحتلة وعاصمتها القدس، والى أن يتحقق هذا الهدف، فإن المقاومة الفلسطينية والعربية، ستستمر ضد العدوان الصهيوني الامريكي على بلادنا، ليس من أجل حرية شعبنا وقيام دولتنا المستقلة فحسب بل من اجل استمرار النضال ضد الامبريالية الأمريكية وحليفها الصهيوني بكافة الوسائل من أجل النهوض والوحدة العربية في ظل مجتمع عربي اشتراكي موحد.

[1] صبحي الحديدي – أمريكا الراهنة: جنون القوة خواء الاستعادة – الكرمل – عدد 76/77 – صيف 2003 – رام الله – فلسطين.

[2]المصدر السابق ص12 .

[3] منير العكش – عن أمريكا والعنف – الكرمل – المصدر السابق.

[4] منير العكش – مصدر سبق ذكره – ص “38”.

[5] المصدر السابق ص “40”.

[6] الولايات المتحدة فقدت صوابها – جون لوكارية – ترجمة صبحي حديدي – الكرمل – المصدر السابق – ص “11”.